الجمعة، 14 يونيو 2019

الإنسان نباتي أم حيواني



الإنسان نباتي أم حيواني



       لو أن الإنسان اتبع غرائزه الطبيعية لامتنع عن تناول اللحوم، هذا ما يقوله حكماء الهنود، وما يؤكده عدد غير قليل من علماء الغرب وفلاسفته، ويضيفون الى ذلك قولهم إن تناول الطعام ليس شيئا طبيعيا في الإنسان، بدليل أن الطفل "وهو الصورة الأصلية للإنسان البدائي" لا يحب وهو في مستهل عمره إلا الغذاء الطبيعي، أي الحليب، ولا يمكنه أن يتناول غذاء مؤلفا من اللحم، ويظل على هذه الحالة مدة تقرب من السنة، ولعلنا نذكر ما نبذله من مجهود لتعويد أطفالنا على تناول اللحوم، وما قد يسببه ذلك من محذورات قد تستدعي الطبيب، وما من شك في أن هذا الكره الطبيعي الذي نراه في الأطفال تجاه اللحوم، مسألة تستدعي التأمل والتفكير.


      هناك مثل أوروبي يقول:
           - تعرف الإنسان إذا عرفت ما يأكل.

      ويقول مثل هندي:
           - ما يأكله الإنسان يجعله مثلا له.

     وهناك نظرية تدور حول أكلة لحوم البشر تقول:
          - إن الشعوب تكسب بعض صفات الحيوانات التي تتناولها لاحتواء لحومها على سموم ذاتية، ومفرزات داخلية، تجول في الدماء، وتنتقل الى معد البشر فتؤثر في أخلاقهم، فعرب البادية الذين يتصفون بالجلد المتين والحقد الدفين، يغلب على طعامهم لحم الإبل، وبرودة طبعاع الإنجليز تتأتى من تناولهم السمك الأبيض البارد، والفرنسيون مغرمةن بلحوم الخنزير، والعرب المتحضرون مولعون بأكل لحوم الأغنام المعروفة بسلاسة القياد.

إقرأ أيضا: أمراض القلب

      ومن المعروف أيضا أن لحم الغزلان يتفسخ بسرعة إذا اصطيد بعد المطاردة لكثرة احتوائه على السمةم الناجمة عن الاحتراقات ثم جريانها في الدم أثناء الركض، فإذا أراد الناس ألا يكونوا وحوشا مفترسة أو لا يكسبوا الصفات "الوحشية" فعليهم أن يكونوا نباتيين ما استطاعوا الى ذلك سبيلا.

     فالإنسان - أصلا - يشبه الحيوانات التي تعيش على الثمار، وليس هناك أدنى شبه بينه وبين الحيوانات المفترسة التي تعيش على سفك الدماء، ولو أخذنا تركيب الإنسان بعين الإعتبار لوجب أن يقتصر غذاؤه على الفواكه والخضار، ةالأقسام التي تؤكل من النبات. والدليل على ذلك أن القرود - وهي أقرب الى البشر - تعتمد في حياتها على الثمار وحدها. والتشابه التام بين الإنسان والقرود من حيث الصفة التشريحية أمر لا يحتاج الى تنويه.

     ومن الثابت، أيضا، أن جميع الاثار التي تركها الإنسان منذ وجد على الأرض الى اليوم، ليس فيها ما يدل على أنه كان أكل لحوم، بل العكس هو الصحيح، ‘ذ كانت النباتات هي الغذاء الوحيد له في كل مراحل تطوره وحياته.

     ولو درسنا أسنان الإنسان لوجدنا أنه ليس له سوى أربعة أنياب صغيرة - لتمزيق اللحم - أما سائر الأسنان الأخرى فهي قواضم وطواحن كما هو الشأن لدى الحيوانات النباتية. أما معدة الإنسان فإنها تقدم لنا دليلا اخر على أن الله لم يخلقها لكي تأكل اللحوم، فهي أقل غنى بالعضلات من معدة الحيوانات اللاحمة، لأن العضلات الموجودة في المعدة هي التي تتولى مهمة إكمال تمزيق اللحوم بتقبضها الشديد. وأخيرافإن الاختلاف الواضح بين طول الأمعاء في الحيوانات النباتية والحيوانات اللاحمة يدلنا على أن الطبيعة لم تهيئ الإنسان ليكون اكلا للحوم، فأمعاؤه طويلة كما هو الشأن لدى الحيوانت النباتية، لأن طول الأمعاء هذا ضروري لعملية الإمتصاص والحركات الاستدارية المتوالية لطرح الخضار، أما في الحيوانات اللاحمة فإن الأمعاء تكون قصيرة كما يلاحظ لدى الذئب مثلا.

     وخلافا لما يعتقده البعض، فالنباتات تحتوي على مواد غذائية كاملة وكافية لتغذية الإنسان، ونأخذ مثالا على ذلك المواد الازوتية، فقد كانت اللحوم تعتبر لمدة طويلة غذاء لا يستطيع الإنسان أن يستغني عنه، لأن الازوت موجود في اللحوم بكثرة، غير أن التجارب دلت على أن المواد الازوتية الحيوانية ليست أسهل هضما لدى الإنسان من غيرها، وأن بالإمكان العثور على أغذية ازوتية ممتازة في الخضار والفواكه، وخصوصا في قشورها التي تتوجب الاستفادة منها. بل لقد ثبت أن المواد الازوتية النباتيى أسهل هضما على الجسم وأقل إنهاكا للجهاز الهضمي، فالخضار هي المنبع الرئيسي لمائيات الفحم، كما أن الثمار الدسمة والحبوب غنية بالشحوم وتحتوي على كميات كافية لتغذية وإنماء الجسم البشري.


     ومن الأخطاء الطريفة الشائعة أن يوصي الناقهون والمرضى بتناول مرق اللحم على اعتبار أنه يحتوي على خلاصات الغذاء، مع أنه في الحقيقة خالي من أية ذرة من اللحم، بينما نعمد الى إهمال مرق الخضار الذي يحتوي على أكثر الأملاح المعدنية التي يحتاجها الجسم البشري.

     إن المهاتما غاندي هو أكبر مثل على صحة الرأي القائل بأن الإنسان نباتي لا حيواني، فلقد اهتم غاندي بغذاء مواطنيه بقدر اهتمامه بمسائل السياسة والكفاح، وضرب لنفسه مثلا حيا باقتصاره في غذائه على الثمار ذات اللب، وأضرب عن الاستعانة بمواد حيوانية بل إنه لم يضف لبن الماعز الى غذائه إلا بعد أن تقدمت به السن، وقد ذكر إذ ذاك أنه تردد كثيرا قبل اختيار الحليب باعتبار أنه ذو منشأ حيواني فينبغي قصره على الأطفال، فتتبع بذلك خطوات أبي العلاء المعري الفيلسوف العربي الشهير، وفيلسوف القرن العشرين برنارد شو نهج نفس المنهج.

     لقد أثبتت الدراسات والتحريات أن النبات وحده يحتوي على جميع العناصر لحياة الإنسان، بما فيها من مواد غذائية وحديد وكالسيوم وفيتامينات (A . B . C . D . H)، فالبلح مثلا يحتوي على السكر والفيتامين (B)، وفي التفاح نجد الصوديوم والكلس، وفي اللوز والجوز والبندق نجد الفوسفور والأدهان، والبرتقال والليمون يحتويان على الفيتامين (C)، والكرز مطهر ومعقم للأمعاء، والملفوف والجزر يحويان الكبريت والكاروتين المولد للفيتامين (A) الذي يفيد في تقوية البصر وتجميل العينين، أما البصل فإنه علاوة على كونه مشهياومنبها لغشاء المعدة فهو ينشط الدورة الدموية، والثوم يفيد الأشخاص المتقدمين في السن فهو يلين الشرايين المتصلبة ويساعد على خفض درجة الضغط المرتفعة، بل أن الفطور ( الكمأة) تلك النباتات الغريبة ذات القوام الكثيف القريب من اللحم الحيواني، تتضمن نسبة عالية من المواد الازوتية.

     وغني عن البيان أن نشير الى الخبز، هذا الغذاء الذي يصنع من حبة القمح المقدسة في كثير من الأديان، فإن القمح يشكل - وحده - خلاصة ست عشرة مادة تدخل في تركيب الجسم البشري، فمن الممكن للإنسان أن يقيم أوده على القمح الصرف، لأن الكبد تحتوي على معامل عديدة تحول القمح الى سكر والى ما يشبه اللحوم.

     يضاف الى ذلك كله أن هضم النباتات أسهل بكثير من هضم اللحوم، فالغذاء النباتي المؤلف من الخضار والحبوب والفاكهة وبعض منتجات الحليب، يهضم بسرعة تزيد مرتين أو ثلاثة مرات عن سرعة هضم اللحوم، وبفضل سهولة الهضم وسرعته ينجو الجسم من عقابيل التعب، ولا يفقد جانبا كبيرا من قواه لتأمين وظيفة واحدة من وظائفه. إنه - إذ ذاك - يكون حرا للقيام بالمهام الاخرى، كما يستطيع أن ينشط الإنسان الى العمل رائق الذهن بعد نصف ساعة من غذائه، بينما يطرأ على اللحم والسمك الفساد والتفسخ في الجهاز الهضمي المملوء بالجراثيم، فتنشأ عن ذلك التخمرات المعوية التي لا يعرفها النباتيون، وقد لوحظ أن تندب الجروح والتئامها أسرع لدى النباتيين منه لدى اكلي اللحوم، لأن أجسام هؤلاء تكون غنية بالسموم والنفايات الحيوانية التي لا يمكن طرحها كاملة، ولهذا يتعرضون للأمراض كالروماتزما والافات الكبدية وتصلب الشرايين والإمساك.

     ومن المعروف أن الأطباء يرغمون كثيرا من المرضى على اتباع نظام خاص يعتمد على النباتات وحدها، كما هو الشأن لدى المصابين بالنقرص ورمل الكلى وحصياتها، وحصيات المرارة الكبدية والمصابين بالأكزما والذين يشكون قصورا كبديا أو كلويا، لأن الخضار تساعد - بما فيها من سكر وسيللوز - على تحميض محتويات الأمعاء وطرد المواد السامة منها.

     ولئن أباح الغربيون لأنفسهم تناول اللحوم، فذلك لحاجتهم القصوى الى الطاقة الحرورية الزائدة في بلاد قلما تسطع الشمس فيها، بينما تقدم الشمس لنا - في الشرق - قسطا كبيرا من الطاقة والحرارة تغنينا عن تداركها عن طريق اللحوم. صحيح أن اللحوم مادة حيوية منشطة، إلا أنها - للأسف - تجعل الإنسان سريع الغضب، مندفعا، بعيدا عن حدود النباتيين وحسن تقبلهم للحياة.

     وأخيرا.. فإن علماء الحيوان أنفسهم يقولون إن الغذاء النباتي يزيد القوة، ويساعد على إطالة الحياة، ودليلهم على ذلك حياة الحيوانات اللبونة اكلة الأعشاب، فهي أقوى الحيوانات جسما وأطولها عمرا، فالثور الشهير بقوته الفائقة نباتي، والفيل الذي يعتبره العلماء أقوى الحيوانات جميعا - بما فيها الأسد - لا يتناول طعاما سوى النباتات، ودع عنك السلحفاة - وهي نباتية - فهي تعمر مئات السنين.

0 comments

إرسال تعليق